تتجه أشغال إعادة تأهيل وتهيئة ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش نحو استكمال مراحلها الأخيرة، في إطار مشروع يروم الحفاظ على القيمة التاريخية والثقافية لهذا الفضاء العريق، مع منحه نفسا جديدا ينسجم مع مكانته كأحد أبرز المعالم التراثية والسياحية بالمغرب. ويأتي هذا الورش ضمن برنامج شامل يهدف إلى تثمين الساحة والارتقاء بجودة خدماتها، بما يضمن الحفاظ على خصوصيتها التي جعلت منها فضاء استثنائيا يجمع بين الذاكرة الشعبية والحضور السياحي العالمي.
ويعكس هذا المشروع رؤية جديدة لتدبير هذا المعلم التاريخي، تقوم على التوفيق بين متطلبات المحافظة على الهوية الأصيلة لساحة جامع الفنا وبين ضرورة تطوير بنياتها ومرافقها لمواكبة التحولات التي تعرفها المدينة الحمراء. كما يسعى الورش إلى تحسين ظروف استقبال الزوار، وتعزيز جاذبية الفضاءات المحيطة بالساحة، مع احترام الطابع المعماري والثقافي الذي يميز هذا الموقع المصنف ضمن رموز التراث المغربي.
وفي هذا الإطار، أكد المدير العام لشركة العمران مراكش آسفي، شاكير زهوان، خلال زيارة ميدانية لتتبع سير الأشغال، أن المشروع يندرج ضمن الأوراش الكبرى الرامية إلى إعادة الاعتبار للساحة التاريخية، موضحا أن الهدف الأساسي يتمثل في تحسين جودة الفضاء العمومي، وتوفير ظروف أفضل للزوار والمهنيين، إلى جانب تطوير آليات استغلال الموقع بطريقة تحافظ على قيمته الحضارية. وأبرز أن مجموعة العمران تضطلع بمهمة التنسيق الميداني والتنظيمي لهذا الورش، بتعاون مع مختلف المؤسسات والجهات المعنية لضمان إنجاز مختلف مراحله وفق رؤية متكاملة.
وتشمل عملية التأهيل مجموعة من التدخلات التي تهم إعادة تنظيم فضاءات الساحة وتهيئة محيطها، خاصة حديقة عرصة البيلك المجاورة، إضافة إلى تحسين مسارات تنقل الراجلين وتنظيم حركة السير بما يسهل انسيابية التنقل داخل هذا الفضاء الذي يستقبل أعدادا كبيرة من الزوار بشكل مستمر. كما يتضمن المشروع تهيئة المكان الخاص بعربات الخيول التقليدية “الكوتشي”، وإحداث مرافق جديدة من بينها فضاء للمعلومات السياحية ومرافق صحية عمومية حديثة تراعي شروط الولوجيات، فضلا عن إعادة ترتيب بعض التجهيزات والأنشطة المرتبطة بالحياة اليومية للساحة بما يحافظ على طابعها الشعبي الفريد.
وعلى المستوى التقني، تم اعتماد اختيارات هندسية دقيقة تراعي طبيعة الاستخدام المكثف الذي تعرفه الساحة، حيث تم اختيار مواد بناء تجمع بين الجانب الجمالي والقدرة العالية على التحمل. وتعتمد تهيئة الأرضية الجديدة على استعمال الحجر الطبيعي بمقاسات متنوعة، مدعما بطبقات تقنية تضمن صلابة المنشأة واستمراريتها، مع اعتماد معالجة خاصة لسطح الأرضية بهدف الحد من مخاطر الانزلاق وتوفير شروط أفضل للسلامة بالنسبة للمرتفقين والزوار.
وحرصا على عدم التأثير على النشاط الاقتصادي والثقافي الذي يميز جامع الفنا، تم اعتماد طريقة إنجاز تدريجية تقوم على تقسيم الأشغال إلى مراحل وقطاعات محددة، بما يسمح باستمرار الحياة اليومية داخل الساحة ويحافظ على حضور التجار والفنانين ومختلف الفاعلين الذين يشكلون جزءا من هويتها. كما تخضع الأشغال لمتابعة مستمرة من طرف لجنة تضم مختلف المتدخلين، بهدف ضمان تحقيق التوازن بين متطلبات صيانة هذا الموروث الحضاري وتعزيز مكانته كوجهة سياحية عالمية تعكس غنى وتنوع الثقافة المغربية.