مع اقتراب انطلاق العرس الكروي العالمي، وتزايد الحديث عن مشاركة عربية غير مسبوقة تضم عددا كبيرا من المنتخبات لأول مرة في تاريخ البطولة، بدأت جماهير كرة القدم في مختلف البلدان العربية تستعد لعيش أجواء استثنائية، كل بطريقته الخاصة. فبين من يفضل متابعة المباريات داخل البيت في أجواء عائلية هادئة، ومن يختار المقاهي والفضاءات العامة لصناعة لحظات حماسية جماعية، يبقى القاسم المشترك هو الشغف الكبير بالحدث… لكن هذا الشغف يصطدم هذه المرة بعائق مزعج يتمثل في اختلاف التوقيت بشكل كبير مع البلدان المستضيفة.
إقامة المنافسات في قارة أمريكا الشمالية، بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، جعلت مسألة التوقيت مصدر قلق حقيقي للجماهير العربية، حيث تتراوح الفوارق الزمنية أحيانا بين سبع وعشر ساعات، ما يعني أن عددا كبيرا من المباريات سيبث في أوقات متأخرة جدا من الليل أو في الساعات الأولى من الصباح داخل العالم العربي.
وأمام هذا الواقع، أصبح السؤال الأكثر تداولا بين المشجعين: متى ستبدأ المباراة حسب توقيتنا المحلي؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يعكس تحولا واضحا في علاقة الجمهور بجدولة المباريات، بعدما كان الأمر في السابق تفصيلا ثانويا لا يشغل إلا القنوات التلفزيونية والمعلنين، أصبح اليوم جزءا أساسيا من نقاشات الجماهير، خاصة مع برمجة العديد من اللقاءات في أوقات غير مألوفة.
هذا التحدي الزمني يعيد إلى الأذهان الفارق الكبير مع نسخ سابقة من البطولة، حيث استفادت الجماهير العربية من توقيت مناسب نسبيا خلال دورات سابقة، بينما تبدو هذه المرة مضطرة للتأقلم مع ظروف أكثر صعوبة، رغم أن الحماس تجاه المنتخبات العربية لا يبدو متأثرا بهذا العامل، بل يزداد قوة وإصرارا.
وبالنسبة للجماهير المغربية، فإن مباريات المنتخب الوطني ستقام في توقيت يعتبر مقبولا نسبيا مقارنة بباقي المنتخبات العربية، إذ ستجرى لقاءاته الثلاثة في حدود الحادية عشرة ليلا بتوقيت المغرب أمام منتخبات قوية ومختلفة الأساليب. ورغم أن هذا التوقيت قد لا ينسجم مع عادة متابعة المباريات في المقاهي، إلا أن أغلب المشجعين سيجدون أنفسهم مضطرين لتحويل وجهتهم نحو المنازل لمتابعة “أسود الأطلس”، كما حدث في تجارب سابقة، مع استعداد واضح لقضاء ليال طويلة في سبيل دعم المنتخب الوطني وانتظار لحظات تاريخية جديدة.
في المقابل، تبدو الجماهير الأردنية من أكثر المتأثرين بفارق التوقيت، خاصة مع خوض منتخب النشامى لأول مشاركة له في هذا المحفل العالمي. إذ يجد الفريق نفسه أمام مباريات تجرى فجرا أو في ساعات مبكرة جدا من الصباح، وهو ما يشكل تحديا حقيقيا لجماهيره. وقد دفع هذا الوضع السلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية مرنة تتعلق بساعات العمل، في محاولة لتمكين المواطنين من متابعة مباريات منتخبهم ومساندته في هذه التجربة التاريخية.
أما في مصر، فتواجه جماهير “الفراعنة” وضعا متباينا، بين مباراة تقام في وقت مناسب نسبيا، وأخرى تلعب في منتصف الليل أو مع ساعات الفجر، ما يجعل المتابعة أمرا مرهقا لكثير من المشجعين، رغم العادة المعروفة لدى المصريين في السهر. هذا الأمر فتح نقاشا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي حول إمكانية إيجاد حلول عملية تساعد الجماهير على المتابعة دون التأثير على التزاماتهم اليومية.
وبالنسبة للجماهير السعودية، فإن مواعيد المباريات جاءت متفاوتة بين الليل المتأخر وبداية المساء، ما يمنحهم فرصة نسبية لمتابعة بعض اللقاءات في أجواء أكثر راحة، خاصة المباراة القوية أمام أحد المنتخبات الأوروبية، والتي ينتظرها الجمهور السعودي بشغف كبير.
أما قطر، فقد حظيت بتوقيت أكثر اعتدالا نسبيا، حيث جاءت مواعيد مباريات منتخبها في أوقات تسمح بمتابعة جيدة، ما يمنح الجماهير فرصة للعيش الكامل لأجواء البطولة دون ضغط كبير من عامل الزمن، على عكس بعض المنتخبات الأخرى.
وفي العراق، يتعامل الجمهور مع التحدي بروح عالية، إذ رغم توقيت المباريات المتأخر نسبيا، إلا أن الحماس الكبير حول مشاركة المنتخب يدفع الجماهير إلى التمسك بمتابعة كل دقيقة، باعتبار المشاركة بحد ذاتها إنجازا وطنيا يستحق الدعم الكامل مهما كانت الظروف.
من جهتها، تجد الجماهير التونسية نفسها أمام جدول مباريات مرهق زمنيا، مع لقاءات تلعب في ساعات مبكرة جدا من الصباح أو في منتصف الليل، وهو ما يجعل المتابعة تحديا يوميا، لكنها رغم ذلك تبقى وفية لمنتخبها وتستعد لمواكبته في كل الظروف.
أما المنتخب الجزائري، فيواجه هو الآخر نفس الإشكال تقريبا، حيث تبرمج مبارياته في أوقات غير مريحة للجماهير، ما يجعل المشاهدة مرتبطة أكثر بالشغف والانتماء الوطني، وليس فقط بظروف الراحة أو الوقت المناسب.
وهكذا، يبدو أن كأس العالم المقبلة لن تكون فقط اختبارا للمنتخبات داخل المستطيل الأخضر، بل أيضا اختبارا حقيقيا لصبر الجماهير العربية وقدرتها على التكيف مع إيقاع زمني مختلف، في رحلة كروية تجمع بين الحلم، والتحدي، وسهر الليالي.