احتضنت مدينة الصويرة خلال الفترة الممتدة بين 25 و27 يونيو فعاليات الدورة السابعة والعشرين من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، في تظاهرة فنية كبرى جمعت بين معلمين كناويين وفنانين عالميين وباحثين وموسيقيين شباب، إلى جانب حضور جماهيري واسع جاء من مختلف مناطق المغرب ومن دول عديدة، في أجواء طبعتها روح الانفتاح والإبداع والتبادل الثقافي، حيث برزت فكرة أساسية مفادها أن التراث لا يظل حيا إلا حين يتفاعل مع محيطه المعاصر ويواصل الحوار مع أشكال التعبير الحديثة.
وأفاد بلاغ للمنظمين أن هذه الدورة عرفت مشاركة نحو 460 فنانا و43 معلم كناوي، مع برمجة 52 عرضا موسيقيا متنوعا، إضافة إلى تنظيم الدورة الثالثة عشرة لمنتدى حقوق الإنسان، وإطلاق برامج للتكوين والبحث وتبادل الخبرات، وهو ما يعكس الطابع المتكامل للمهرجان الذي لا يقتصر على العروض الموسيقية، بل يتجاوزها ليشكل فضاء ثقافيا مفتوحا يربط بين الفن والتفكير والإبداع ونقل المعرفة.
وأكد المصدر ذاته أن مهرجان كناوة حافظ منذ انطلاقه على خصوصية التلاقح الفني كهوية أساسية له، حيث تولد في كل دورة مشاريع موسيقية جديدة تجمع بين المعلمين الكناويين وموسيقيين من مختلف أنحاء العالم، في تجارب إبداعية فريدة تنبثق منها أعمال أصلية تقدم لأول مرة على منصات الصويرة، ما يجعل كل نسخة من المهرجان تجربة غير مكررة ومليئة بالاكتشاف الفني.
وشهدت هذه الدورة عدة لحظات فنية بارزة، من بينها حفل الافتتاح الذي مزج بين الإيقاعات الكناوية ورقص إينتوري الذي قدمته فرقة من رواندا، في تعاون فني جمع أصواتا إفريقية وآسيوية وأوروبية ضمن رؤية موسيقية منسجمة، شارك فيها فنانون من مدارس مختلفة، ما أضفى على العرض طابعا عالميا قائما على الحوار الثقافي.
كما تميز البرنامج بإقامة فنية جمعت عددا من الأسماء الموسيقية من خلفيات متعددة، حيث اشتغل الفنانون على مشروع إبداعي مشترك قدم لأول مرة عالميا في الصويرة، في تجربة تعكس فلسفة المهرجان القائمة على الابتكار وتجاوز الحدود الموسيقية التقليدية.
وعرفت الدورة كذلك لقاءات موسيقية لافتة جمعت بين الغوسبل الأمريكي والموسيقى الكناوية، إضافة إلى عروض فنية مشتركة بين أسماء عربية ودولية، من بينها مشاركة فنانين عالميين إلى جانب أصوات مغربية بارزة، فضلا عن عودة فنان برازيلي بارز إلى منصة المهرجان بعد سنوات من الغياب، في لحظة موسيقية احتفالية جمعت بين إيقاعات الأطلسي وإرث الكناوة.
وفي فضاءات المدينة العتيقة، احتضن برج باب مراكش حفلات موسيقية حميمية جمعت بين الشعر والموسيقى الإلكترونية والبوب البديل، في حين قدمت فرق موسيقية مغربية وأجنبية عروضا متنوعة أبرزت تعدد روافد المهرجان، الذي يواصل المزج بين التراث الشعبي والتجارب المعاصرة في الموسيقى العالمية.
وقد تجاوز عدد الحضور هذا العام ثلاثمائة ألف شخص، حيث لم يقتصر الجمهور على متابعة العروض فقط، بل تحول إلى عنصر فاعل في صنع أجواء المهرجان داخل الساحات والأزقة والفضاءات المفتوحة، ما جعل مدينة الصويرة تتحول إلى مسرح حي تتقاطع فيه الثقافات وتتدفق فيه الإيقاعات بحرية.
وأوضح البلاغ أن هذا الإقبال الكبير ضم عائلات وشبابا وطلبة وزوارا من داخل المغرب وخارجه، وهو ما منح المهرجان طابعه الشعبي المنفتح، ورسخ مكانته كموعد ثقافي عالمي يجمع بين الاحتفال الفني والتلاقي الإنساني.
وفي سياق متصل، شهد منتدى حقوق الإنسان في دورته الثالثة عشرة تنظيم جلسات فكرية موسعة بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، حيث ناقش المشاركون قضايا الشباب والهوية والحرية والمستقبل، في حضور باحثين ومفكرين وممثلين عن مجالات متعددة.
وافتتحت أشغال المنتدى بكلمات رسمية أكدت أهمية الشباب في صناعة التحولات المجتمعية، واعتبر المتدخلون أن العلاقة بين الحرية والشباب علاقة أساسية لا يمكن فصلها، كما تمت الإشارة إلى الدور الذي يلعبه الحوار الثقافي في بناء مجتمعات أكثر انفتاحا وتنوعا.
كما شهد المنتدى مداخلات فكرية عميقة تناولت موضوع الهويات المتحولة والتعدد الثقافي، حيث تم التأكيد على أن الإنسان يعيش دائما بين رغبة الحفاظ على الخصوصية والحاجة إلى الانتماء، وأن هذا التوازن يشكل أحد أبرز تحديات العصر الحديث.
وتواصل المهرجان أيضا عبر برامج التكوين ونقل المعرفة، من خلال ورشات موسيقية جمعت فنانين من دول متعددة، إضافة إلى برامج تعليمية وإبداعية أتاحت فرصا للتبادل بين أساتذة وموسيقيين شباب، مما عزز البعد الأكاديمي والتكويني لهذا الحدث الثقافي.
كما تم إحداث فضاءات جديدة للارتجال الموسيقي جمعت فنانين من مدارس مختلفة، في أجواء تفاعلية سمحت بتجريب أنماط موسيقية جديدة، وتعزيز روح الابتكار والتجريب الفني.
وفي إطار شراكات أكاديمية وثقافية، تم فتح نقاشات معمقة حول مكانة الفن الكناوي كتراث حي وليس مجرد موروث تقليدي، بل كمعرفة متجددة تحمل أسئلة الذاكرة والهوية والشفاء والإبداع، وتفتح آفاقا جديدة لفهم التحولات الثقافية المعاصرة.
وقد أكد المنظمون أن التغطية الإعلامية الواسعة التي عرفتها هذه الدورة، بمشاركة مئات الصحفيين من مختلف دول العالم، ساهمت في تعزيز إشعاع المهرجان وإبراز مكانة الصويرة كمدينة ثقافية عالمية.
ويواصل مهرجان كناوة وموسيقى العالم ترسيخ مكانته كموعد دولي بارز، حيث يلتقي فيه التراث بالإبداع المعاصر، وتتحول فيه الموسيقى إلى لغة مشتركة للحوار والتواصل بين الثقافات.