شريط الاخبار

مراكش: بين اقتصاد الأسواق التقليدية وصعود سياحة “اللّقطة” في زمن ما بعد كوفيد

سائح يلتقط صوراً داخل أحد الأسواق التقليدية بمدينة مراكش، بينما يواصل حرفي مغربي عمله في صناعة النحاس، في مشهد يعكس التحولات التي تعرفها السياحة بعد جائحة كوفيد-19.

استقصاء ومتابعة ميدانية: فريق LE 212TV

تطرح مدينة مراكش اليوم، من داخل أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، سؤالاً يتكرر بصوت خافت بين الحرفيين والمهنيين: هل ما تزال السياحة تقوم بدورها الحقيقي في دعم الاقتصاد التقليدي، أم أن ما نعيشه اليوم هو مجرد مرور سريع لزوار يلتقطون الصور أكثر مما يعيشون التجربة؟
هذا الاستقصاء الذي أنجزه فريق LE 212TV جاء بعد جولة ميدانية داخل عدد من أسواق المدينة القديمة، حيث تم الوقوف على تحولات واضحة في سلوك جزء من الزوار، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19.
في قلب المدينة العتيقة، حيث تتجاور ورشات الجلد، والنحاس، والزليج، والزرابي، لا تزال تفاصيل الحياة اليومية للحرفيين حاضرة بقوة، وكأن الزمن لم يغادر المكان. غير أن فريق LE 212TV، بعد تجوله وسط هذه الأسواق المحلية، وقف على ملاحظة يرددها عدد من المهنيين: الزائر لم يعد يقضي الوقت نفسه داخل المحلات كما كان في السابق.
فقد كانت تجربة السوق، قبل سنوات، تقوم على التفاعل المباشر، والشرح الطويل للحرفي، والمساومة التي تشكل جزءاً من ثقافة البيع والشراء. أما اليوم، فيلاحظ كثيرون أن جزءاً من السياح يمر بسرعة، يلتقط صوراً، يتأمل للحظات، ثم يغادر دون دخول في تجربة شراء حقيقية أو تفاعل عميق مع المنتوج.
ولا يمكن فهم هذا التحول دون ربطه بالتغيرات التي عرفها العالم بعد جائحة كوفيد-19، والتي أعادت تشكيل طريقة السفر لدى الكثيرين. فقد برزت سياحة أكثر سرعة، تعتمد على “استهلاك اللحظة” أكثر من العيش داخلها، وعلى الصورة أكثر من التفاصيل.
ويرى فاعلون محليون، تحدث إليهم فريق LE 212TV خلال هذا الاستقصاء، أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً أساسياً في هذا التحول، حيث أصبحت “اللقطة الجميلة” هدفاً بحد ذاته، وليس مجرد جزء من الرحلة.
داخل الأسواق التقليدية، ينعكس هذا التغير بشكل ملموس على الحرفيين، الذين يعتمدون بشكل كبير على الوقت الذي يقضيه الزائر داخل الورشات. فكل توقف أطول يعني فرصة للشرح، وكل حوار مع الزبون يعني احتمال بيع منتوج.
لكن ما تم رصده ميدانياً خلال جولة فريق LE 212TV هو أن مدة بقاء عدد من الزوار داخل المحلات أصبحت أقصر، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام اقتصاد يعتمد أساساً على التفاعل الإنساني المباشر، وليس على المرور السريع.
ورغم أن الأرقام الدقيقة غير متوفرة بشكل رسمي لتأكيد حجم هذا التحول، إلا أن ما يرويه الحرفيون، وما يظهر داخل السوق يومياً، يعكس تغيراً تدريجياً في طبيعة الاستهلاك السياحي، أكثر منه مجرد صدفة عابرة.
مصطلح “سياحة اللقطة” أصبح متداولاً بين المهنيين لوصف هذا النمط الجديد من الزيارة، حيث تختزل التجربة في التصوير والنشر على المنصات الرقمية، أكثر من الانخراط في تفاصيل المكان.
وبين من يعتبر هذا التحول أمراً طبيعياً في عصر الرقمنة، ومن يراه تهديداً مباشراً لروح السوق التقليدي، يبقى النقاش مفتوحاً داخل القطاع حول مستقبل هذه العلاقة بين السياحة والاقتصاد الحرفي.
ورغم كل هذه التحولات، لا تزال مراكش تحافظ على مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية، بما تحمله من جاذبية بصرية وثقافية قوية. غير أن الإشكال اليوم لا يتعلق بالجاذبية نفسها، بل بكيفية تحويلها إلى قيمة اقتصادية تعود بالنفع على الفاعلين داخل المدينة القديمة.
ويرى مهنيون أن المرحلة الحالية تتطلب التفكير في طرق جديدة لإعادة ربط الزائر بتجربة أعمق، سواء عبر السياحة التفاعلية داخل الورشات، أو من خلال مسارات ثقافية داخل الأسواق تشرح تاريخ الحرفة وروحها.
بعد هذه الجولة الميدانية التي قام بها فريق LE 212TV داخل أسواق مراكش، يبدو أن الصورة أصبحت واضحة جزئياً، لكنها غير مكتملة: مدينة تعجب الجميع من الخارج، لكنها تعاش بسرعة مختلفة داخل أسواقها.
وبين ذاكرة الحرفة القديمة وسياحة الصورة السريعة، تبقى مراكش أمام سؤالها الحقيقي: كيف تحافظ على روحها، دون أن تفقد مكانتها في عالم يتغير بسرعة؟

شارك المقال شارك غرد إرسال