أسدل المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش الستار على فعاليات دورته الثانية، التي نظمت تحت شعار “السينما والمدينة العتيقة”، في تظاهرة ثقافية وفنية سعت إلى استحضار العلاقة العميقة بين الفن السابع وذاكرة المدن التاريخية، وإعادة التفكير في الروابط التي تجمع الصورة السينمائية بالمكان والهوية والتحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن العتيقة المغربية.
وعاشت مدينة مراكش، ما بين 20 و24 ماي الجاري، على إيقاع برنامج متنوع جمع بين العروض السينمائية والندوات الفكرية والورشات التكوينية واللقاءات المفتوحة، حيث تحولت المدينة الحمراء بأزقتها وأسوارها ورمزيتها التاريخية إلى فضاء للحوار بين السينما والتاريخ، وبين الصورة والذاكرة الجماعية.
وشهدت هذه الدورة، التي سهرت على تسيير فقراتها الكاتبة والباحثة أمل عباسي، تكريم الفنان المغربي الكبير محمد مفتاح، تقديرا لمساره الفني الطويل وإسهاماته البارزة في السينما والتلفزيون والمسرح المغربي والعربي. ويعد محمد مفتاح من أبرز الأسماء التي طبعت المشهد الدرامي بأداء متميز وحضور إنساني قوي جعل منه أحد الوجوه الأكثر تأثيرا في تاريخ التمثيل المغربي.
وفي شهادة مؤثرة، توقف الناقد السينمائي والصحفي حسن نرايس عند أبرز محطات التجربة الفنية للمحتفى به، مستحضرا بداياته الفنية وتحولاته الإبداعية، إلى جانب قدرته على بناء شخصية فنية متفردة داخل المشهد الدرامي العربي.
وتعزيزا لهذا التكريم، احتضن المهرجان عرض فيلم “خيط الروح” للمخرج حكيم بلعباس، وهو عمل سينمائي يلامس أسئلة الذات والذاكرة والهوية، ويبرز الحساسية البصرية والشاعرية التي تميز تجربة المخرج، فيما ظهر محمد مفتاح داخل الفيلم بصورة فنية عميقة تمزج بين التأمل والصمت والانكسار الإنساني.
كما افتتحت فعاليات الدورة بتكريم الفنان ربيع القاطي، أحد أبرز وجوه السينما المغربية المعاصرة، حيث تم عرض فيلم “نوبة العشاق” للمخرج كمال كمال، الذي أعاد من خلاله استحضار الذاكرة الشعبية المغربية والعلاقة بين الموسيقى والتحولات الاجتماعية.
ولم يقتصر المهرجان على العروض والتكريمات، بل راهن أيضا على الجانب التكويني والتربوي، من خلال تنظيم ورشات فنية داخل عدد من المؤسسات التعليمية بمدينة مراكش، أطرها الفنان الحبيب احمدان والناقد السينمائي بوبكر الحيحي، بهدف ترسيخ الثقافة السينمائية لدى الأجيال الصاعدة وتعزيز ارتباط المدرسة بالفعل الثقافي والإبداعي.
وشكلت الندوات الفكرية محطة أساسية ضمن برنامج الدورة، حيث احتضن المهرجان “ماستر كلاس” حول موضوع “السينما وذاكرة المدينة”، بمشاركة الكاتب عبد السلام بوطيب، رئيس مهرجان السينما والذاكرة بالناظور، إلى جانب مصطفى غلمان، رئيس مهرجان السينما والتاريخ بمراكش، حيث تمت مناقشة السينما باعتبارها أرشيفا بصريا يوثق لتحولات المدينة وذاكرتها الجماعية.
كما شهدت الدورة تنظيم ندوة وطنية حول “تمثل المدينة العتيقة في السينما المغربية”، بمشاركة النقاد والباحثين أشرف الحساني وعبد الصمد الكباص ورشيد نعيم، فيما تولى تسيير اللقاء الباحث عبد اللطيف لقليدة، حيث ناقشت المداخلات حضور المدينة العتيقة داخل السينما المغربية باعتبارها فضاءً يحمل الذاكرة والهشاشة والتحولات الاجتماعية.
وفي سياق الاهتمام بالتراث العمراني، احتضن المهرجان تقديم كتاب “بجعد.. التراث المعماري والعمراني للمدينة العتيقة” للمهندس عبد الغني خلدون، بمشاركة محمد أيت لعميم ومحمد صلاح بوشتلة، في لقاء سلط الضوء على أهمية الذاكرة المعمارية في تشكيل الهوية الثقافية والجمالية للمدن المغربية.
كما عرف المهرجان عرض الفيلم الروائي “أفراح صغيرة” للمخرج محمد رشيد الطريبق، في لقاء أطره الناقد السينمائي محمد اشويكة، حيث انفتح النقاش على رهانات السينما المغربية الجديدة وأسئلتها الجمالية والإنسانية.
واستطاع المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش، في دورته الثانية، أن يرسخ مكانته كموعد ثقافي يسعى إلى تجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي للمهرجانات، من خلال تحويل السينما إلى فضاء للتفكير في قضايا الذاكرة والهوية والتاريخ، وخلق جسور حقيقية بين الفن والعمران والتربية والثقافة.
كما أفرزت هذه الدورة مجموعة من التوصيات، أبرزها ضرورة توسيع انفتاح المهرجان على التجارب السينمائية المتوسطية والإفريقية المهتمة بذاكرة المدن، وإحداث منصة لتوثيق الأفلام المرتبطة بالمدن العتيقة المغربية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث، وتشجيع برامج التربية على الصورة داخل المؤسسات التعليمية.
وبذلك، يؤكد المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش توجهه نحو بناء مشروع ثقافي متكامل، يجعل من السينما أداة للتأمل في الإنسان والمكان والتاريخ، ويمنح للصورة دورا مركزيا في حفظ الذاكرة الجماعية وصناعة الوعي الثقافي.